LightReader

Chapter 7 - الصوت الذي لا وجه له

( في قلب الجبل، لا تُعطى النبوءة ككلمة… بل كجرحٍ يفتح طريقًا ) .

خطا أرام داخل مغارة العرافة بخطوات محسوبة، كأن الأرض نفسها قد تَعلّمت عدَّ أنفاسه. تبعه وَبّار ببطء، وأذناه تتحركان في كل اتجاه، يلتقط ما لا يلتقطه البشر. كان المدخل ضيقًا، لكن الداخل اتّسع على نحوٍ يربك العقل؛ كأن الجبل يخفي في جوفه عالمًا ثانيًا، لا علاقة له بما في الخارج.

أول ما أحسّه أرام كان الدخان… لكنه ليس دخان نار.

كان دخانًا يخرج من الشقوق التي في الأرض، يتصاعد ثم يلتفّ ويعود، وكأن المغارة تتنفّس. رائحته باردة، تشبه رائحة المطر قبل هطوله بلحظة—تلك الرعشة التي تسبق البلل وتُخبر الجسد أن السماء تتغيّر.

وفي وسط المغارة، كانت نارٌ زرقاء.

هادئة… لا صوت لها.

لا لهيب يتراقص، ولا حرارة تحرق. فقط ضوءٌ يملأ المكان دون أن يَمسّه. مدّ أرام يده بحذر، ثم سحبها. لم يشعر إلا بخفة الهواء، كأن النار ليست نارًا… بل نافذة إلى شيء لا يفهمه.

على الجدران امتدت نقوشٌ عتيقة؛ حيوانات لم يرها من قبل، وأشكال لا تشبه كتابة القبائل. بعضها غائر كأنه محفور منذ قرون، وبعضها يبدو حديثًا كأن أصابع خفية رسمته بالأمس. كلما اقترب من رمزٍ بعينه، داهمه وخزٌ في رأسه، كأن الرمز يهمس… لا للأذن، بل للروح.

وفي أقصى المغارة، خلف ستارٍ من دخانٍ بنفسجي كثيف، ظهرت العرافة.

كانت جالسة على صخرة تشبه عرشًا صغيرًا، ظهرها مستقيم، ووجهها مخفي تحت غطاءٍ أسود لا يُرى تحته شيء: لا عينان… لا فم… لا ملامح. ومع ذلك، شعر أرام أنها تنظر إليه مباشرة، كأن عينيها ليستا في وجهها، بل في المكان نفسه.

قالت بصوتٍ لا يشبه صوتًا واحدًا؛ صوت امرأة وكاهن وريح في آنٍ واحد:

«لقد وصلت يا ابن آل تَمران… وصلت وحدك كما قُدِّر لك.»

تجمّد أرام.

لم يخبر أحدًا بما حدث لرجاله. لم يروِ حتى للريح. ومع ذلك… البلورة المستديرة أمامها أضاءت، وتحرك نصفها المضيء كأنه موجة.

ورأى.

رأى ساروب وهو يسقط والسمّ يسبق الكلمة.

رأى يارين وهو يختار أن يموت بدلًا عنه.

رأى الصخر وهو يتدحرج كما لو دُفع بيدٍ متقنة.

رأى الظلال التي تحوم حولهم في الليالي.

رأى نفسه… يحمل آخر رفيق، ثم يقف وحيدًا أمام باب المغارة.

تقدّم خطوة، وخرج صوته حادًّا كحدّ السيف:

«كيف عرفتِ؟… وإن كنتِ أنتِ من أرسل الفخاخ في طريقنا… فقولي الآن!»

ارتفع الدخان حولها، وانعكس وهجٌ أزرق على طرف الغطاء، كاشفًا عن ملامح تتبدّل كل ثانية؛ ليست وجهًا كاملًا، بل أشكالًا تتغيّر كأنها تُجرّب وجوهًا ثم ترميها.

قالت بهدوءٍ يهزّ الأعماق:

«لم أصنع فخًا واحدًا لك… الجبل هو من صنعها. الطريق الذي يؤدي إليّ يعرف من يستحق الدخول… ومن يجب أن يبقى خارجه.»

اشتدّت قبضته على سيفه. خطوة أخرى… ثم توقف.

قالت:

«ضع سيفك يا أرام… أنت في مكان لا تُستخدم فيه السيوف.»

رفع حاجبيه بمرارة، لكن البلورة تلاشت صور الرجال منها، وظهرت بدلًا منها صورة وَبّار، ثم مليّة، ثم أمه… ثم رموزٌ سوداء لا يعرفها. كانت الصور كأنها تُرسم ثم تُمحى.

قالت:

«ما مررت به كان ضروريًا… كي تُمحى خطواتك القديمة، ويُعاد تشكيل طريقك.»

اشتعل قلبه غضبًا وارتباكًا. قال، كأنه يدافع عن حياته السابقة:

«لم آتِ هنا لأبدأ طريقًا جديدًا… لديّ قبيلة، وزوجة، وأم، ومسؤوليات.»

قاطعته بحدّةٍ مفاجئة، كالسوط:

«لن تجد أحدًا منهم حين تعود.»

اهتزّ صدره.

كانت الجملة ضربةً في الروح، لا في السمع. تقدّم خطوة، وصوت قلبه أعلى من صدى المكان:

«ماذا تقولين؟»

رفعت يدها فوق البلورة. أظلمت لحظة… ثم أضاءت من جديد.

ظهرت صورٌ متقطعة، سريعة، كأنها قطع زجاج تلمع ثم تختفي:

قبيلة آل تمران وهي تشتعل.

رايات سوداء تُرفع فوق الخيام.

رجالٌ مقيّدون يُسحبون.

نساءٌ يصرخن.

غبار معركة لا يُرى فيه وجه صديقٍ من عدو.

صرخ أرام:

«لا… هذا غير ممكن! لم يهاجمنا أحد منذ أجيال!»

قالت:

«هذه المرة… كانوا ينتظرون رحيلك.»

شعر أرام أن الأرض تحت قدميه فقدت معناها. جثا على ركبتيه لا إراديًا. اقترب وَبّار ودفع رأسه إلى كتفه كأنه يحاول أن يعيد له شيئًا من الثبات.

قالت بصوتٍ منخفض كمن يتلو حكمًا لا يُردّ:

«لم ينتهِ طريقك هنا يا أرام… بل يبدأ. إن عدتَ الآن، فلن تجد سوى الرماد. وإن بقيتَ هنا… فسيفنى ما تبقى من الذين تحبهم. عليك أن تذهب شرقًا… إلى أرضٍ تُدعى سبأ. هناك، سيبدأ مصيرك الجديد.»

وقف أرام بقوة، وصرخ لأول مرة في وجه الغطاء الأسود:

«أنا لا أترك قبيلتي! سأعود، سأقاتل، سأجمع الرجال!»

رفعت العرافة يدها.

واختفت الأصوات كلها.

صار الصمت كثيفًا حتى كاد يُكسر.

قالت:

«لن تستطيع جمع حجر واحد من حجارة تمرّان الآن. ومن يريد الانتقام… عليه أن يولد من جديد.»

ثم دفعت نحوه ثلاثة أشياء، كأنها تُلقي عليه قدرًا لا هدية:

كيس جلدي صغيرخنجر ذو مقبض غريبحجر أسود مربع الشكل

قالت:

«ستحتاجها في حياتك الجديدة… خذها. رفضك لن يغيّر ما سيحدث.»

وتابعت، كأنها تغرس خاتمًا من كلام:

«كانت رحلتك إليّ لأجل ولادة طفلك… لكنها باتت لولادتك أنت.

ففراسة ابنك ستولد معه…

أما مصيره—ومصير كل شيء تعرفه—فسَتحدده رحلتك إلى سبأ.»

تراجع أرام خطوة، وقال بعنادٍ يائس:

«لن أفعل.»

وفي اللحظة نفسها… انطفأت النار الزرقاء.

وتلاشى الدخان البنفسجي.

واختفت البلورة… واختفت العرافة… واختفى كل شيء.

وجد نفسه واقفًا في مغارةٍ “عادية” فارغة، بلا نقشٍ واحد، بلا رمزٍ واحد… كأن ما رآه كان حلمًا ثقيلًا.

لكن بين قدميه… كانت الأغراض الثلاثة.

التقطها ببطء، وخرج من المغارة وفي صدره ظلامٌ لم يعرفه من قبل. ظلامٌ ليس خوفًا… بل معرفة.

عاد في طريقه نحو آل تمران—لكن ليس هو أرام الذي دخل المغارة.

كان رجلًا يحمل في كتفيه موت عشرة رجال، ونبوءة لا تُكذّب بسهولة.

وفي اليوم التالي من طريق العودة… وجد نجّار.

كان جالسًا قرب شجرة، جسده ملطّخ بالدماء، ذراعه مربوطة بقطعة قماش ممزقة، وجهه شاحب، لكن عينيه لا تزالان تحملان ولاءً لا ينكسر.

ركض أرام إليه، جثا قربه:

«نجّار! ماذا حدث؟»

رفع نجّار رأسه بصعوبة، وقال كأن الكلام يُنتزع منه:

«سيدي… دُمّرت القبيلة.

هاجمتنا قبائل تحمل رايات غربية… رايات سوداء.

قتلوا الرجال… أخذوا النساء… أسروا أمك… زوجتك… الجميع…

وكانوا يسألون عنك. يريدون رأسك أنت.»

شهق أرام. ارتجفت يداه. نهض كمن يريد أن يركض إلى الموت:

«إذا أرادوا رأسي… فأنا عائد لهم!»

أمسكه نجّار بعينين مشتعلتين رغم الألم:

«لا تعد الآن يا سيدي… ستموت إن عدت.

عليك أن تهرب… أن تجمع القوة… أن تستعد…»

تجمّد أرام. تذكّر العرافة. تذكّر كلمة سبأ وكأنها سيفٌ وُضع على رقبته.

قال بصوتٍ مكسور:

«العرافة… قالت ذلك… قالت إن عليّ أن أذهب إلى سبأ… لكن قبيلتي… أمي… مليّة… وابني الذي لم يولد بعد…»

ابتسم نجّار ابتسامة باهتة، كأنها آخر ما يملك:

«إذن افعل يا سيدي…

الانتقام يبدأ من هناك… لا هنا.

اذهب… كي تنقذ كل من تحب.»

ثم أطبق عينيه لحظة، وفتحهما بصعوبة:

«ارجع كما كنت… قائدًا… لا رجلًا ضائعًا.»

وقف أرام، والهواء حوله صار أثقل من الحديد.

لم يعد أمامه طريقان… بل طريقٌ واحد.

وفي داخله، اشتعلت أول شرارة ليست للعودة… بل لما بعدها:

شرارة الانتقام.

وشرارة الإنقاذ.

وأول خطوة في رحلةٍ أطول بكثير من طريق الجبل…

رحلةٍ ستقوده إلى سبأ.

More Chapters