LightReader

Chapter 27 - القطعة التي لم تَعُد

حين لا تعود القطعة إلى صاحبها… فهذا يعني أن صاحبها عبر إلى ما لا يُسمح بعبوره.)

جلس أرام مع جماعته في الغرفة العليا من الخان، وأغلقوا الباب بإحكام، لا خوفًا من الأصوات، بل من الآذان التي اعتادت التقاط الهمس. كانت الغرفة ضيقة، جدرانها سميكة، وسقفها منخفض، كأنها صُمّمت لتحتمل الأسرار لا الراحة.

لم يكن الاجتماع طويلًا، لكنه كان ثقيلًا، فكل كلمة تُقال هنا قد تعني حياة… أو اختفاء بلا أثر.

قال أرام بهدوءٍ ثابت، كمن يضع حجر الأساس لشيء لا رجعة فيه:

«الدخول إلى منطقة التجّار ليس غايتنا… بل ما بعدها.»

رفع تافار عينيه ببطء، وقال بصوت خافت:

«المراقبون كُثُر… وكل حركة هنا تُحسب قبل أن تُفعل.»

أومأ أرام مرة واحدة، ثم ردّ:

«ولهذا… لن نواجههم.

سنجعلهم ينظرون إلى مكانٍ آخر.»

نهض فجأة، ودخل الغرفة المجاورة، تاركًا خلفه صمتًا مشدودًا. عاد بعد لحظات يحمل لفافات جلدية قديمة، مهترئة الأطراف، مشبعة برائحة الزمن. فرشها على الأرض واحدة تلو الأخرى.

ساد الصمت.

لم تكن خرائط عادية.

كانت مسارات خفية،

أبواب جانبية لا تُرى من الخارج،

ممرات تمرّ خلف الجدران،

ظلال منحوتات صخرية تخفي فراغات،

ونقاط عمياء لا تراها العين… إلا إن عرفت أين تنظر.

نظر الجميع بدهشة صامتة.

وضع أرام يده على إحدى اللفافات، وقال كلمة واحدة:

«ريمان.»

التفتت العيون إلى الطفل.

لم يتكلم.

أنزل رأسه قليلًا، وكأن الاعتراف أثقل من الكلمات.

قال أرام بصوتٍ لا يحمل توبيخًا ولا مديحًا:

«كل ما رأيناه بالأمس… حُفظ هنا.»

ثم بدأ يشرح، إصبعه يتنقل فوق الجلد القديم:

من أين سيدخلون،

كيف يسيرون بلا لفت نظر،

أين سيُفتعل الإلهاء،

وأين، في اللحظة المناسبة، سيختفي هو وسولان وتافار.

قطع أحدهم الصمت قائلًا:

«لكن القطع النقدية… لا نملك إلا سبعًا.»

ابتسم أرام ابتسامة قصيرة، لا فرح فيها ولا مكر، وقال:

«نعم.

سبع نأخذها… وسبع نُعيدها.

وقد وعدتُ بالحصول على ثلاثٍ أخرى… ليصبح العدد عشرة.»

سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق:

«لكن اثنين سيدخلان بلا قطع… ويخرجان بقطع.»

ساد الصمت مرة أخرى، لكنه كان هذه المرة صمت الفهم.

قال أرام بوضوح:

«إن بقيت قطعة واحدة مع المراقبين بعد إغلاق السوق…

فهذا يعني أن شخصًا ما لا يزال في الداخل.»

لم يحتج أحد إلى شرح إضافي.

انقسمت الخطة بوضوح:

يدخل الجميع على شكل مجموعتين، لا رابط ظاهري بينهما، وكل مجموعة بعدد لا يثير الشك.

أوكّان وماساي يدخلان كبضاعة… عبدين في الظاهر،

ويخرجان كتجّار بعد تبديل ملابسهم،

ليتحول العدد إلى تسعة.

أما العاشر…

فهو الدليل.

يدخل بطريقته،

ويخرج بالقطعة الذهبية العاشرة.

 

مع الصباح، تحرّك الجميع.

بقي خارج منطقة التجّار: آرغوس، ريمان، ومارانا.

أما الداخلون… فقد دخلوا وكأنهم لا يعرفون بعضهم.

كان العدد داخل السوق اثني عشر شخصًا:

اثنان مقيّدان كعبيد،

والبقية تجّار في الظاهر،

وبحوزتهم عشر قطع نقدية.

تحرّكوا،

اشتروا وباعوا،

ساوموا وابتسموا،

كأن شيئًا لا يُدبّر،

وكأن السوق لا يبتلع من يثق به أكثر مما يجب.

وقبل أن تميل الشمس نحو الغروب…

افتعل سامر وكارم شجارًا عنيفًا.

صراخ،

دفع،

موائد انقلبت،

وصوت غضبٍ ارتفع في المكان.

تجمّع المراقبون.

تحوّلت الأنظار كلّها إلى الفوضى.

وفي اللحظة نفسها…

اختفى أرام.

ومعه سولان وتافار.

انزلقوا تحت منحوتة حجرية ضخمة،

إلى فراغ لا تراه العين… إلا إن عرفت بوجوده.

بعد فضّ الشجار، أُخرج سامر وكارم من السوق،

وأُعيدت قطعهم النقدية.

بدّل أوكّان وماساي ملابسهما،

وخرجا كتجّار،

دون أن يثيرا شكًّا واحدًا.

كل شيء سار كما خُطّط له…

إلا نقطة واحدة.

الدليل لم يكن موجودًا ليعود بالقطعة الذهبية العاشرة.

وقبل مغيب الشمس…

أُغلقت منطقة التجارة.

جلس المراقبون يعدّون القطع:

واحدة…

اثنتان…

ثلاث…

حتى توقّف العدّ.

قطعة واحدة لم تَعُد.

ساد الوجوم.

قال أحدهم بصوت منخفض لكنه حاسم:

«شخص ما… لا يزال في الداخل.»

بدأ البحث.

أما نَجّار ومن خرج معه،

فعرفوا أن العاشر لم يُستبدل،

وأن القطعة النقدية بقيت بلا صاحب.

لكنهم لم يتحركوا.

التزموا بالخطة.

عادوا إلى الخان…

وتظاهروا بالانتظار.

وفي مكانٍ ما داخل سبأ…

كان أرام قد خطا أول خطوة

في أرضٍ لا يُسمح لأحد بدخولها.

والقطعة التي لم تَعُد…

لم تكن خطأً،

ولا صدفة…

كانت إعلانًا صامتًا

بأن اللعبة قد بدأت.

More Chapters