LightReader

Chapter 5 - الطريق الذي يأكل رجاله

 ( كانوا يظنون أن الجبل عدوٌّ صامت… حتى بدأ يبتلع أسماءهم واحدًا واحدًا ) .

لم تعد خطوات أرام بن شدّاد تُسمَع كما كانت في بداية الرحلة.

صار الصعود يلتهم الأنفاس قبل أن يلتهم المسافات، وصارت الصخور أقرب إلى صدورهم من الهواء نفسه، كأن جبل كردون لا يكتفي بأن يراقبهم… بل يختبرهم.

كان معه خمسة من خيرة رجاله: أوريم، تيمور، رابن، غسّان، وهادين.

رجال اعتادوا أن يروا الموت وجهًا لوجه في ساحة قتال… لكنهم هنا كانوا يواجهون شيئًا لا يرفع سيفًا، ولا يطلق صيحة، ولا يترك أثرًا واضحًا.

كلُّ حجرٍ صار سؤالًا.

كلُّ منعطفٍ صار فمًا مفتوحًا.

في منتصف النهار، بلغوا شقًّا صخريًا مرتفعًا يفتح الطريق أمامهم كأنه خريطة مكسورة. صعد أوريم أولًا—كان أقدرهم على قراءة الأرض والظلال، يعرف الفخ من اختلاف الغبار، ويعرف المنحدر من طريقة انحناء العشب.

وقف على الحافة، رفع يده يشير أن لا يرى حركة واضحة… ثم التفت نصف التفاتة، كأنه سيقول شيئًا—

وفجأة… اختفى.

لا صرخة.

لا ارتطام.

حتى الحصى لم يتدحرج.

اندفع الرجال نحو الحافة، وكان أرام أول من ركض. انحنى ينظر إلى الأسفل… لكن الوادي كان عميقًا لدرجة أنه ابتلع النظر قبل أن يبتلع الجسد. لا جسد، لا دم، لا سلاح. فقط صمت ثقيل… صمت يشبه قفلًا أُغلق على سرّ.

قال تيمور وهو يحدّق في المكان بعين ضيّقة:

«هذا ليس سقوطًا… الأرض هنا مسطّحة. كأن حجرًا تحرّك تحت قدمه.»

جثا أرام قرب الموضع الذي كان يقف فيه أوريم، مدّ كفّه يتحسس الحجر. بدا ثابتًا… لكنه لمح تحت الحافة طرفًا دقيقًا لحجر آخر، محورٌ صغير كأنه مفصل باب خفي. ضغط بخفة… فاهتز السطح نصف اهتزازة، ثم عاد واستقر.

فهمها.

هذه ليست طبيعة الجبل.

هذه يدٌ تعرف أين تضع الموت.

وقف أرام بصمتٍ طويل، ثم جمع ثلاث حجارة صغيرة ورسم بها دائرة قرب الحافة—طقس قديم عند آل تمران لمن يضيع جسده ولا يُدفن: دائرة تُغلق “طريق الروح” حتى لا تبقى معلّقة. ووضع في وسطها سهمًا من سهام أوريم وقال بصوت منخفض، كأنه يخاطب الأرض نفسها:

«إن كنتَ حيًّا… فلتخبّئك عن عيونهم.

وإن كنتَ ميتًا… فهذا قبرُك في عيوننا.»

لم يتكلم أحد.

حتى وَبّار خفّف حركته، كأنه أحسّ بثقل الاسم حين يُفقد فجأة.

تابعوا المسير، لكنهم لم يعودوا يضعون قدمًا قبل أن يختبروها.

العصي تُضرب على الأرض قبل الأقدام، والأعين تفحص السقف قبل المرور، والأنفاس تتوقف عند كل حجرٍ غريب.

مع اقتراب الليل، وجدوا فجوة بين صخرتين تصلح ملجأً. أوقدوا نارًا صغيرة، نارًا خجولة لا تشبه نيرانهم في القبيلة. جلسوا حولها كأنهم خمسة ظلال لا خمسة رجال.

حاول رابن كسر الصمت بابتسامة شاحبة:

«لو رآنا أطفال القبيلة الآن… لقالوا إننا نخاف من الحجارة.»

رفع أرام نظره إليه، وفي عينيه شيء من الامتنان لأن أحدهم ما زال يحاول إنقاذ أرواحهم من التصلّب:

«الحجر الذي تُمسكه يد إنسان… أخطر من ألف سيف.»

قال غسّان وهو يحدّق في النار:

«لكننا لن نعود. حتى لو كانت الطريق تأكلنا.»

لم يرد أرام.

كان يسمع في داخله صوتًا آخر: صوت مليّة… صوت “الظل الذي يقترب”.

حين تحركوا في اليوم التالي، دخلوا ممرًا ضيقًا بين جدارين صخريين. الغبار على الأرض كان ناعمًا أكثر من اللازم، لا يشبه غبار الجبل… يشبه غبارًا وُضع ليخفي شيئًا.

قال تيمور وهو يتقدّم خطوة:

«هذا مكان فخ… أنا أتقدّم.»

حاول أرام منعه، لكن تيمور كان قد حسم أمره. سار بحذر، يختبر الأرض بأطراف قدميه. وفي لحظة، سمع أرام “طرقعة” صغيرة… كأن حجرين اصطدما.

صرخ أرام:

«لا تتحرك!»

لكن الصوت جاء متأخرًا بثانية واحدة.

انطلقت سهام من فتحات دقيقة في الجدارين ، سهام مخفية لا تُرى إلا بعد أن تكون قد اخترقت الهواء. أمطار من حديد، كلها في وقت واحد، كأن الجدار نفسه ينفث قتله دفعة واحدة.

حاول تيمور الرجوع… أصابه سهم في فخذه. ثم سهم في كتفه. ثم ثالث في صدره.

هوت ركبتاه على الأرض، لكنه لم يصرخ صرخة رجل عاجز… بل أطلق زفيرًا قصيرًا كأنه يقول: “تم.”

اندفع رابن وغسّان نحوه. أما أرام فكان يحدّق في الجدار، يبحث بعينه عن “العقل” الذي صنع هذا. لمح أثر حبل مقطوع عند زاوية حجر، ووتدًا صغيرًا مموهًا تحت غبار رقيق.

جلس أرام قرب تيمور، رفع رأسه وسنده على ساقه. كان الدم ساخنًا في كفّه.

همس تيمور، وعيناه لا تزالان ثابتتين:

«قلتُ لك… إن سقطتُ أنا… بقيتَ أنت.»

شد أرام على يده بقوة، وصوته خرج مبحوحًا:

«لم أُرد لأحدٍ أن يسقط بدلًا مني.»

ابتسم تيمور ابتسامة رجل انتهى من واجبه:

«لكننا اخترنا… الطريق معك.»

ثم بردت عيناه.

دفنوه عند مدخل الممر، لأن العودة إلى الخلف صارت موتًا آخر.

وغرس غسّان رمح تيمور فوق القبر—علامة آل تمران أن الرجل لم يُؤخذ من ظهره، بل سقط وهو يتقدّم.

تابعوا… أربعة.

ومع كل منعطف، كان الطريق يزداد خبثًا.

حتى المزاح صار يُقال بخوف، كأنه اعتذار عن الحياة.

في عبور ممر مائل فوق هوّة، كانوا يسيرون واحدًا تلو الآخر، يتشبثون بنتوءات الصخور.

لاحظ أرام حجرًا موضوعًا بطريقة “مرتّبة” أكثر من اللازم… كأنه علامة.

وقبل أن ينادي، كانت قدم رابن قد لامست جزءًا لم يُختبر.

سمعوا “طرقة” خفيفة.

ثم انزلقت صخرة من أعلى—ليست صخرة عشوائية؛ بل صخرة تعرف طريقها، تنزلق في مجرى محفور مسبقًا.

صرخ أرام:

«رابن! إلى الداخل!»

حاول رابن الارتماء نحو الجدار… لكن الصخرة ضربت كتفه، دفعته للخارج.

التقت عينيه بعيني قائده للحظة واحدة ، لحظة لا تتّسع لأي كلمة ،

ثم اختفى في سقوط طويل.

لم يسمعوا ارتطامه.

الصمت ابتلع الصوت كما ابتلع الرجل.

عند خروجهم من الممر، لم يكن هناك قبر.

فقط فراغ.

اقترب أرام من صخرة مطلّة على الهاوية، أخرج خنجره، ونقش علامة آل تمران على وجه الصخر. ثم مرّر أصابعه عليها وقال:

«هذا شاهدك… أعلى من التراب.»

تابعوا… ثلاثة.

وفي الليل، كانت النار أصغر من خوفهم.

قال هادين وهو يشد عباءته:

«لا أحب هذا الصمت… كأنه يتنفّس.»

رد غسّان:

«الصمت هنا ليس فراغًا… هو عين.»

لم يضحك أحد.

دخلوا في اليوم التالي ممرًا شبه مسقوف، سقفه من صخور معلّقة بطريقة توحي بأنها “تنتظر”. الأرض ملساء أكثر مما يجب.

توقف هادين لحظة، رفع قدمه، كأن حدسه صرخ قبل جسده.

في اللحظة نفسها، دفع أرام إلى الخلف بكل قوته.

انشقّ السقف فوق الموضع الذي كان سيقف فيه القائد، وانهمرت صخور حادة كأنها أسنّة رماح.

لكن هادين ، بسبب دفعة أرام ، فقد توازنه، وسقط للأمام تحت المطر الحجري.

صمتٌ… ثم آهة واحدة.

اندفع أرام وغسّان يزيحان الصخور بأيدي مرتجفة.

ظهر وجه هادين مغطى بالدم والتراب، صدره يتحرك ببطء. فتح عينيه بصعوبة، نظر إلى أرام وقال بصوت مبحوح:

«دفعتَ الموت عنك… فوقع عليّ… كما تمنيت.»

هز أرام رأسه، وكأن الكلمات تخنقه:

«لم أُرد لك هذا.»

همس هادين:

«نحن… لم نأتِ لنعيش… أتينا لنُكمل…»

ثم انطفأ.

دفنوه بين الصخور، وتركوا سيفه إلى جانب قبره، لأن سحب السيف من الأرض عند آل تمران لا يكون إلا عند العودة… وهم لم يعودوا يعلمون إن كانت العودة موجودة أصلًا.

تابع أرام وغسّان وحدهما.

في ليلة باردة، جلسا أمام نار ضعيفة. كان وَبّار واقفًا قريبًا، عيناه تراقبان صاحبه كأنهما تقولان: “ما زلت معك.”

قال غسّان وهو ينظر إلى الفرس:

«حتى هذا الفرس… يفهم أكثر من كثير من الرجال.»

مسح أرام على عنق وَبّار:

«هو الوحيد الذي شهد كل ما شهدناه… ولم يهرب.»

في الصباح، نهض أرام يبحث عن غسّان… فلم يجده.

لا دم.

لا جسد.

فقط حبل رفيع مقطوع يتدلّى من صخرة عالية، وأثر سحبٍ خفيف على التراب، كأن جسدًا جُرّ بعيدًا بلا مقاومة ، اختطافٌ صامت لا تفعله الحيوانات.

وقف أرام طويلاً.

هذه المرة لم يكن لديه قبر يصنعه، ولا حجر يضعه.

أمسك الحبل المقطوع بين أصابعه، نظر إلى الأعلى، ثم إلى الطريق الذي يلوح بين الضباب ، المسار الأخير نحو مغارة العرافة.

قال بصوت لا يسمعه أحد:

«حسنًا… كما أرادوا… أنا وحدي الآن.»

شدّ زمام وَبّار، وتقدّم…

رجل واحد،

وجبل ينتظر،

ومغارة لا تفتح إلا لمن لم يعد لديه ما يخسره.

More Chapters